مقدمة
الأصل في الأحكام القضائية أن تنفيذها جبرًا لا يكون أثناء فترة جواز الطعن فيها بالاستئناف، باعتبار أن الحكم لم يستقر بعد بصورة نهائية، وأن المحكوم عليه لا يزال متمتعًا بحقه في الطعن. غير أن المشرّع الإماراتي أورد استثناءات على هذا الأصل، مراعاةً لطبيعة بعض الحقوق والحاجة إلى حمايتها بصورة عاجلة.
ويكتسب هذا الاستثناء أهمية خاصة في دعاوى الأحوال الشخصية، لما تتسم به هذه الدعاوى من طبيعة خاصة تتصل بالأسرة والنفقة والأطفال، وهي حقوق قد لا تحتمل انتظار انتهاء إجراءات التقاضي وصدور حكم نهائي.
وقد نظم المشرّع الإماراتي النفاذ المعجل في الفصل الثالث من قانون الإجراءات المدنية، حيث قررت المادة (214) أن الأصل هو عدم جواز تنفيذ الأحكام جبرًا ما دام الاستئناف جائزًا، إلا إذا كان النفاذ المعجل منصوصًا عليه في القانون أو محكومًا به. ثم جاءت المادة (215) لتقرر حالات يكون فيها النفاذ المعجل واجبًا بقوة القانون.
وتتمثل أهمية هذا التنظيم في تحقيق التوازن بين حق المحكوم له في الحصول على حماية قضائية فعالة وسريعة، وبين حق المحكوم عليه في استعمال طرق الطعن المقررة قانونًا.
أولًا: المقصود بالنفاذ المعجل
يقصد بالنفاذ المعجل السماح بتنفيذ الحكم رغم كونه لم يصبح نهائيًا بعد، أي رغم بقاء إمكانية الطعن فيه وفقًا للقانون.
وبذلك فإن النفاذ المعجل لا يمس حق الخصم في الطعن، ولا يحول الحكم إلى حكم نهائي، وإنما يرتب أثرًا استثنائيًا يتمثل في السماح بتنفيذه قبل اكتساب الحكم الدرجة النهائية.
وقد قررت المادة (214) من قانون الإجراءات المدنية الإماراتي أن الأصل هو عدم التنفيذ الجبري طالما كان الاستئناف جائزًا، إلا إذا كان النفاذ المعجل منصوصًا عليه في القانون أو محكومًا به. وهذا النص يبين بوضوح أن النفاذ المعجل يمثل استثناءً تشريعيًا على الأصل العام.
ثانيًا: النفاذ المعجل بقوة القانون وفقًا للمادة (215)
قررت المادة (215) من قانون الإجراءات المدنية أن:
"النفاذ المعجل واجب بقوة القانون" في الحالات التي حددها النص الذي أورده المشرّع:
النفاذ المعجل واجب بقوة القانون في أيٍّ من الأحوال الآتية:
أ- الأحكام الصادرة في المواد المستعجلة أيًّا كانت المحكمة التي أصدرتها.
ب- الأحكام الصادرة في دعاوى الأحوال الشخصية بالنفقات والأجور وما يرتبط بها من مصروفات وزيادتها أو تخفيضها.
ج- الأحكام الصادرة بتسليم الصغير أو رؤيته أو زيارته أو اصطحابه.
د- الأوامر الصادرة على العرائض.
كما قررت المادة ذاتها أن النفاذ المعجل يكون بغير كفالة، ما لم ينص الحكم أو الأمر على تقديم كفالة.
ومن ثم، فإن أهمية المادة (215) بالنسبة لدعاوى الأحوال الشخصية تتمثل في أن المشرّع لم يجعل النفاذ المعجل في الحالات الواردة بها متوقفًا على سلطة تقديرية للمحكمة، وإنما قرره بقوة القانون متى انطبق الوصف القانوني على الحكم.
ثالثًا: الأحكام التي يشملها النفاذ المعجل في دعاوى الأحوال الشخصية
أحكام النفقات والأجور
أولى المشرّع أهمية خاصة للأحكام المتعلقة بالنفقات والأجور، فنص صراحة على خضوعها للنفاذ المعجل.
ويشمل ذلك الأحكام المتعلقة بالنفقات، وما يرتبط بها من مصروفات، وكذلك الأحكام الصادرة بزيادة النفقة أو تخفيضها.
والحكمة من ذلك واضحة، إذ إن النفقة بطبيعتها مرتبطة بالاحتياجات المعيشية للمستحق، وتأخير تنفيذها إلى حين انتهاء جميع مراحل التقاضي قد يؤدي إلى إهدار الغاية التي شرعت من أجلها.
وعليه، فإن الحكم الصادر في دعوى نفقة، متى انطبق عليه النص، يكون مشمولًا بالنفاذ المعجل بقوة القانون، دون حاجة إلى أن يكون القاضي قد استخدم سلطة تقديرية خاصة في منح هذا الوصف.
الأحكام المتعلقة بتسليم الصغير
لم يقتصر المشرّع على الجانب المالي، وإنما شمل بالنفاذ المعجل الأحكام الصادرة بتسليم الصغير.
ويرجع ذلك إلى أن المنازعات المتعلقة بالصغير لا تتعلق بمجرد حق مالي، وإنما تتصل مباشرة بمصلحة الطفل ووضعه الأسري والرعاية التي يتلقاها.
ومن ثم، فإن تمكين الحكم من النفاذ بصورة عاجلة يهدف إلى منع استمرار وضع قد يتعارض مع ما انتهت إليه المحكمة بشأن مصلحة الصغير.
أحكام رؤية الصغير وزيارته واصطحابه
شملت المادة (215) كذلك الأحكام المتعلقة برؤية الصغير أو زيارته أو اصطحابه.
وهذه الأحكام تعكس إدراك المشرّع لطبيعة العلاقات الأسرية، إذ إن تأخير تنفيذ الحكم المتعلق بالرؤية أو الزيارة قد يؤدي إلى ضياع مواعيد أو فترات زمنية لا يمكن تعويضها بصورة مماثلة.
ولهذا قرر المشرّع النفاذ المعجل بقوة القانون لهذه الفئة من الأحكام.
رابعًا: هل يشترط أن تطلب المحكمة النفاذ المعجل؟
في الحالات التي نصت عليها المادة (215)، لا يقوم النفاذ المعجل على مجرد طلب تقديري من المحكوم له، وإنما قرره القانون بقوة القانون.
وهذا يختلف عن الحالات التي يجوز فيها للمحكمة أن تشمل حكمها بالنفاذ المعجل بناءً على طلب ذوي الشأن وفقًا للمادة (216).
فالمادة (215) تستخدم عبارة صريحة هي: "النفاذ المعجل واجب بقوة القانون".
أما المادة (216) فتقرر أن المحكمة يجوز لها، بناءً على طلب ذوي الشأن، شمول حكمها بالنفاذ المعجل في الحالات التي عددها النص، ومنها حالات معينة أخرى، وكذلك إذا ترتب على تأخير التنفيذ ضرر جسيم بمصلحة المحكوم له، بشرط بيان ذلك في الحكم بيانًا وافيًا.
وبالتالي، يجب التمييز بين النفاذ المعجل الوجوبي بقوة القانون، وهو ما يتحقق في الحالات المحددة بالمادة (215)، والنفاذ المعجل الجوازي، وهو الذي يجوز للمحكمة تقريره بناءً على طلب ذوي الشأن في الحالات المحددة بالمادة (216).
خامسًا: هل النفاذ المعجل يعني أن الحكم أصبح نهائيًا؟
الإجابة: لا.
وهذه من أهم النقاط القانونية التي ينبغي توضيحها.
فالحكم المشمول بالنفاذ المعجل يظل حكمًا قابلًا للطعن إذا كان القانون يجيز الطعن فيه. والقول بالنفاذ المعجل لا يعني اكتساب الحكم قوة الأمر المقضي بها بصورة نهائية، وإنما يعني السماح بتنفيذه رغم عدم نهائيته.
ومن ثم، يمكن للمحكوم عليه أن يمارس حقه في الاستئناف أو غيره من طرق الطعن المقررة قانونًا، بحسب طبيعة الحكم وشروط الطعن فيه.
وبالتالي، فإن هناك فرقًا بين: (نهائية الحكم) و(قابلية الحكم للتنفيذ بصورة معجلة).
وقد يجتمع الأمران في مراحل معينة من الدعوى، إلا أن النفاذ المعجل في ذاته لا يساوي النهائية.
سادسًا: هل يوقف الاستئناف تنفيذ الحكم المشمول بالنفاذ المعجل؟
مجرد كون الحكم محل استئناف لا يعني بالضرورة زوال وصف النفاذ المعجل.
فالغاية من النفاذ المعجل هي السماح بالتنفيذ قبل انتهاء الخصومة بصورة نهائية، ولذلك فإن القول بأن مجرد الاستئناف يوقف التنفيذ يؤدي عمليًا إلى إفراغ النفاذ المعجل من مضمونه.
وقد تناول القضاء الإماراتي فكرة النفاذ المعجل باعتباره نوعًا من التنفيذ الذي يمكن أن يكون بقوة القانون، كما أشار في أحكامه إلى إمكانية طلب وقف وصف النفاذ المعجل أمام الجهة القضائية المختصة وفقًا للقواعد والإجراءات المقررة.
ومن ثم، يجب التمييز بين حق الطعن وبين أثر الطعن على التنفيذ، فالأول لا يعني بالضرورة توقف الثاني في الأحكام التي منحها القانون النفاذ المعجل.
سابعًا: الحكمة التشريعية من النفاذ المعجل في الأحوال الشخصية
يمكن رد فلسفة المشرّع الإماراتي في تقرير النفاذ المعجل في هذه المسائل إلى عدة اعتبارات:
أولًا: طبيعة الحق: النفقة ليست دينًا عاديًا فحسب، وإنما وسيلة لتوفير الاحتياجات الأساسية للمستحق.
ثانيًا: حماية الصغير: الأحكام المتعلقة بالتسليم والرؤية والزيارة والاصطحاب ترتبط بمصلحة الطفل والعلاقات الأسرية.
ثالثًا: منع ضياع الحق بسبب طول أمد التقاضي: قد يؤدي انتظار الحكم النهائي إلى تفويت الغرض من الحماية القضائية.
رابعًا: تحقيق العدالة الناجزة: لا تكتمل فعالية القضاء بمجرد إصدار الحكم، وإنما تتطلب أن يكون الحكم قابلًا للتنفيذ في الوقت الذي تقتضيه طبيعة الحق.
ومن هذه الزاوية، فإن النفاذ المعجل يمثل إحدى أدوات تحقيق العدالة الفعالة، وليس مجرد استثناء إجرائي شكلي.
خاتمة
يتضح مما تقدم أن المشرّع الإماراتي أولى عناية خاصة للأحكام الصادرة في بعض مسائل الأحوال الشخصية، فلم يترك تنفيذها رهينًا بانتظار انتهاء جميع مراحل الطعن، وإنما قرر لها النفاذ المعجل بقوة القانون متى توافرت الحالة المنصوص عليها في المادة (215) من قانون الإجراءات المدنية.
وتبرز أهمية ذلك بصورة خاصة في أحكام النفقات والأجور والمصروفات المرتبطة بها، وأحكام زيادتها أو تخفيضها، وكذلك الأحكام المتعلقة بتسليم الصغير أو رؤيته أو زيارته أو اصطحابه.
ويحقق هذا التنظيم توازنًا بين اعتبارات متعارضة، فمن ناحية يحافظ على حق المحكوم عليه في استعمال طرق الطعن، ومن ناحية أخرى يمنع أن يؤدي طول أمد التقاضي إلى تعطيل حقوق ذات طبيعة معيشية أو أسرية عاجلة.
وعليه، فإن النفاذ المعجل في دعاوى الأحوال الشخصية وفقًا للمادة (215) لا ينبغي فهمه باعتباره خروجًا على ضمانات التقاضي، وإنما باعتباره آلية تشريعية لتحقيق الحماية القضائية الفعالة في الوقت المناسب.
بقلم المستشار/ عمرو محمد إسماعيل