قالها في واتساب... فهل أصبحت إقرارًا؟ حجية رسائل واتساب والمراسلات الإلكترونية في المنازعات التجارية في الإمارات
قراءة قانونية وعملية في حجية رسائل WhatsApp والمراسلات الإلكترونية في المنازعات التجارية في دولة الإمارات، والحد الفاصل بين اعتبار المراسلة دليلًا إلكترونيًا وبين قدرتها على إثبات إقرار بالدين أو اتفاق أو تعديل تعاقدي أو التزام على الشركة.
حجية رسائل واتساب في الإمارات، الدليل الإلكتروني في الإمارات، الإثبات الإلكتروني، قانون الإثبات الإماراتي، المراسلات الإلكترونية، رسائل واتساب كدليل، الإقرار الإلكتروني، الإقرار بالدين، المنازعات التجارية في الإمارات، البريد الإلكتروني كدليل، لقطات شاشة واتساب، مستخرجات الدليل الإلكتروني، الخبرة الفنية الرقمية، حفظ الأدلة الإلكترونية، العقود عبر واتساب، صلاحيات الموظفين
قد تتحول رسالة قصيرة أُرسلت ضمن التعامل التجاري اليومي إلى أحد أهم عناصر الإثبات عند نشوء النزاع. فقد تستخدم مراسلات WhatsApp والبريد الإلكتروني لإثبات مديونية أو موافقة أو تعليمات أو شروط تعامل، لكن قوتها لا تتحدد بمجرد وجودها.
فالقانون الإماراتي يدرج المراسلات الإلكترونية ووسائل الاتصال الحديثة ضمن الإطار التشريعي للدليل الإلكتروني. إلا أن وصف الرسالة بأنها دليل إلكتروني لا يحسم وحده ما تثبته. أصالة الرسالة، ونسبتها إلى مرسلها، وسياقها الكامل، وصفة الشخص الذي أصدرها وصلاحياته، ومدى مطابقة مستخرجها لسجله الإلكتروني واتساقها مع العقد والفواتير والسجلات التجارية، كلها عناصر قد تحدد أثرها الحقيقي في النزاع.
قراءة في أثره على الأعمال
إدارة المراسلات الإلكترونية لم تعد مسألة تشغيلية فقط، بل أصبحت جزءًا من إدارة المخاطر القانونية للشركات.
فكلما اتسعت دائرة الموظفين الذين يعتمدون الأسعار أو الأعمال الإضافية أو الخصومات أو مواعيد السداد أو التعليمات التجارية عبر وسائل الاتصال السريعة، ازدادت أهمية تحديد صلاحياتهم، وحفظ المراسلات الجوهرية، وتوثيق القرارات التجارية المهمة بطريقة يمكن الرجوع إليها عند النزاع.
وقد تمتلك الشركة عقدًا متقنًا، بينما تدار العلاقة الفعلية مع العميل أو المقاول أو المورد عبر مئات الرسائل. وعند نشوء النزاع، قد تتحول الفجوة بين المستندات الرسمية والممارسة اليومية إلى مخاطرة إثباتية حقيقية.
“الرسالة التي تبدو عابرة عند إرسالها قد تصبح بعد سنوات أحد أهم المستندات في ملف الدعوى.”
الرؤية القانونية
ينظم المرسوم بقانون اتحادي رقم (35) لسنة 2022 بإصدار قانون الإثبات في المعاملات المدنية والتجارية الدليل الإلكتروني ضمن منظومة الإثبات في دولة الإمارات. فقد عرّفت المادة (53) الدليل الإلكتروني، وحددت المادة (54) صوره، ومن بينها المراسلات الإلكترونية بما فيها البريد الإلكتروني ووسائل الاتصال الحديثة.
ومن ثم، قد تندرج رسائل WhatsApp ضمن هذا الإطار التشريعي باعتبارها مراسلات إلكترونية تتم عبر وسائل الاتصال الحديثة، على أن يخضع تكييفها وأثرها في الإثبات لأحكام قانون الإثبات وظروف النزاع المعروض.
ولا يقف الأمر عند مجرد الاعتراف بهذا النوع من الأدلة. فالمادة (55) تقضي بأن يكون للإثبات بالدليل الإلكتروني حكم الإثبات بالكتابة الوارد في القانون، فيما تقرر المادة (59)، فيما عدا ما نصت عليه المادة (56)، أن يكون للدليل الإلكتروني الحجية المقررة للمحرر العرفي وفقًا لأحكام القانون.
وهذا التحديد مهم عمليًا. فاعتبار المراسلة دليلًا إلكترونيًا لا يجعلها لمجرد وجودها دليلًا قاطعًا على كل ما يدعيه الطرف الذي يقدمها. فالقول إن المراسلة دليل إلكتروني يحدد طبيعة وسيلة الإثبات، أما تحديد ما تثبته فعليًا، وعلى من يحتج بها، وما الأثر القانوني المستخلص منها، فيحتاج إلى تحليل مستقل.
وتظهر هذه المسألة بوضوح في الإقرار بالمديونية. فعبارة مثل «سنقوم بالسداد الأسبوع المقبل» قد تحمل دلالة مهمة، لكنها لا تعني بالضرورة الإقرار بكامل المبلغ المطالب به.
فقد يقر الطرف بأصل الالتزام مع منازعته في مقداره، أو بفاتورة دون غيرها، أو باستلام البضاعة مع استمرار المنازعة في جودتها. كما أن الإقرار بأصل المديونية لا يعني تلقائيًا الإقرار بالرصيد النهائي أو بكل عنصر من عناصر المطالبة.
والسياق قد يكون حاسمًا. فالمحادثة المجتزأة قد تعطي معنى مختلفًا عن تسلسل المراسلات الكامل. وقد تكشف الرسائل السابقة أو اللاحقة أن ما يبدو إقرارًا كان مشروطًا بإجراء معين. كما قد تكشف أن ما يصفه أحد الأطراف بأنه تفاوض على المديونية لم يكن سوى تفاوض على طريقة سداد دين سبق الإقرار به.
وقد تكون الرسالة ذاتها غير محل إنكار، بينما تبقى نسبتها أو آثارها القانونية محل نزاع. فظهور اسم مدير أو موظف على لقطة شاشة لا يحسم وحده بالضرورة من كان يستخدم رقم الهاتف أو الحساب، أو ما إذا كانت المحادثة كاملة، أو ما إذا كانت المراسلة قد صدرت فعلًا عن الشخص المنسوبة إليه.
كما يجب التمييز بين نسبة الرسالة إلى مرسلها وبين صلاحية هذا المرسل لترتيب أثر قانوني على الشركة. فثبوت أن مدير مشروع أو موظف مبيعات أو محاسب أو مسؤول مشتريات أرسل الرسالة لا يعني تلقائيًا أن كل ما صدر عنه أصبح التزامًا على الشركة.
وقد يمتد البحث إلى صفته وحدود صلاحياته والتعامل السابق بين الأطراف وسلوك الشركة اللاحق، خصوصًا إذا تضمنت المراسلة تأكيد مديونية أو تعديل سعر أو اعتماد أعمال إضافية أو منح مهلة أو قبول تسوية.
وقد نظم قانون الإثبات كذلك الدليل الإلكتروني غير الرسمي والمنازعة في صحته. فالمادة (57) تنظم الدليل الإلكتروني غير الرسمي في الحالات التي حددها القانون، ما لم يثبت خلاف ذلك. كما ترتب المادة (58) عبء إثبات عدم صحة الدليل الإلكتروني المنصوص عليه في المادتين (56) و(57) على الخصم الذي يدعي عدم صحته.
أما لقطات الشاشة والمستخرجات الإلكترونية فتحتاج إلى قدر مماثل من الدقة. فلا يصح اعتبار لقطة الشاشة فاقدة للقيمة لمجرد أنها ليست الهاتف أو المحادثة الأصلية، كما لا يصح اعتبار كل لقطة شاشة دليلًا كاملًا أو حاسمًا بمجرد تقديمها.
فالمادة (60) تنظم طريقة تقديم الدليل الإلكتروني، بما في ذلك تقديمه بهيئته الأصلية أو بأي وسيلة إلكترونية أخرى، بينما تقرر المادة (63) أن مستخرجات الدليل الإلكتروني تكون لها حجية الدليل نفسه بالقدر الذي تكون فيه مطابقة لسجله الإلكتروني.
ومن ثم تصبح مطابقة المستخرج لسجله الإلكتروني مسألة جوهرية عندما يكون اكتماله أو دقته محل منازعة جدية. كما قد تكتسب أهمية كل من مصدر المستخرج، واكتمال المحادثة، والرسائل أو المرفقات غير الظاهرة فيه، وإمكانية التحقق منه.
ويكتمل هذا التنظيم بالمادتين (61) و(62). فالمادة (61) تنظم الأثر المترتب على امتناع الخصم، دون عذر مقبول، عن تقديم ما تطلبه المحكمة للتحقق من صحة الدليل الإلكتروني، بينما تتناول المادة (62) الحالة التي يتعذر فيها التحقق من صحة الدليل الإلكتروني لسبب لا يعود إلى الخصوم، حيث تقدر المحكمة حجيته في ضوء ظروف الدعوى.
ومن ثم فإن مسألة الأصالة ليست دائمًا سؤالًا ثنائيًا من نوع «صحيح أو مزور». فقد تتعلق المنازعة بمصدر الرسالة، أو اكتمالها، أو طريقة استخراجها، أو مطابقة المستخرج لسجله الإلكتروني، أو إمكانية التحقق من البيانات المرتبطة بها. وعندما تكون المنازعة جدية وذات طبيعة تقنية، قد تظهر الحاجة إلى الخبرة الفنية أو الفحص الرقمي.
ولا تقتصر أهمية المراسلات الإلكترونية على إثبات الديون. فقد تسهم في إثبات نشوء اتفاق أو بعض شروطه. فقد يرسل مورد عرض سعر عبر البريد الإلكتروني، ثم يتلقى عبر WhatsApp ردًا بالموافقة يعقبه التنفيذ.
وفي هذه الحالة قد تصبح سلسلة المراسلات ذات صلة بتحديد ما تم عرضه، وما الذي تم قبوله، ومن أصدر الموافقة، وهل كان يملك الصلاحية، وما إذا كان سلوك الأطراف اللاحق يتفق مع ما ظهر من تلك المراسلات.
لكن ذلك لا يعني أن كل موافقة عبر WhatsApp تنشئ تلقائيًا عقدًا ملزمًا. فالمراسلات الإلكترونية لا تغني عن شكلية خاصة يفرضها القانون على تصرف معين، ويبقى أثرها القانوني مرتبطًا بطبيعة المعاملة ومضمون المراسلات وصفة أطرافها وصلاحياتهم والمتطلبات القانونية المطبقة عليها.
ويزداد التحليل تعقيدًا عندما يقول العقد شيئًا بينما تكشف المراسلات اللاحقة عن تعامل مختلف. فلا ينبغي افتراض أن رسالة WhatsApp تعدل العقد تلقائيًا، كما لا ينبغي اعتبار المراسلات عديمة القيمة لمجرد وجود عقد مكتوب.
فقد تستخدم لإثبات تعليمات أو موافقات أو علم بواقعة أو طريقة تنفيذ أو سلوك لاحق، بينما يبقى أثرها على الالتزامات التعاقدية ذاتها مرتبطًا بصياغة العقد، وآلية التعديل أو الاعتماد المتفق عليها، وصفة المرسل وصلاحياته، وسلوك الأطراف.
وينطبق الحذر نفسه على مراسلات التسوية. فعرض دفع مبلغ معين لإنهاء النزاع لا يعني تلقائيًا الإقرار بكامل المطالبة. وتحتاج صياغة المراسلة وسياقها، وما إذا كانت تتضمن إقرارًا مستقلًا بواقعة معينة أو مجرد اقتراح تجاري لإنهاء النزاع، إلى تحليل دقيق. وفي المقابل، فإن وصف المراسلة بأنها «مفاوضات تسوية» لا ينفي تلقائيًا ما قد تتضمنه من إقرار مستقل.
ولا يقتصر الدليل الإلكتروني على النصوص المكتوبة. فالرسائل الصوتية والصور والمستندات والمرفقات والملفات الرقمية قد تكون جميعها جزءًا من الصورة الإثباتية. وقد تحمل رسالة صوتية تعليمات أكثر وضوحًا من سلسلة طويلة من الرسائل، أو يكون مستند مرفق هو عرض السعر الذي تشير إليه الموافقة اللاحقة. ولذلك تزداد أهمية المحافظة على مصدر هذه المواد وسياقها عندما تكون أصالتها أو سلامتها أو اكتمالها محل نزاع.
وحتى الردود المختصرة والرموز قد تستمد دلالتها من السياق. فكلمات مثل “OK” و“Noted” و“Proceed” أو الرمز 👍 لا ينبغي منحها معنى قانونيًا ثابتًا بمعزل عن الرسالة التي سبقتها وسلوك الأطراف الذي أعقبها.
وفي كثير من المنازعات لا تعمل رسالة WhatsApp منفردة. فقد تتكامل مع عقد أو فاتورة أو أمر شراء أو تحويل مصرفي أو سند تسليم أو كشف حساب. وقد تقوى الصورة الإثباتية أو تضعف بحسب مدى توافق هذه العناصر مع بعضها.
ومن هنا تظهر القيمة الحقيقية للدليل الإلكتروني، ليس باعتباره عنصرًا منفصلًا داخل ملف الدعوى، بل باعتباره جزءًا من منظومة الإثبات الكاملة للعلاقة التجارية.
اعتبارات عملية
تبدأ حماية الدليل الإلكتروني قبل إقامة الدعوى. فعند ظهور مؤشرات جدية على نشوء نزاع، ينبغي التعامل مع المراسلات والبيانات الإلكترونية باعتبارها أدلة محتملة، والمحافظة عليها بصورة تسمح بفحصها وربطها بالعقد والسجلات المالية وبقية مستندات العلاقة التجارية.
ولا تبدأ استراتيجية الإثبات الإلكتروني باختيار أفضل لقطات الشاشة، وإنما بإعادة بناء العلاقة التجارية كاملة وتحديد ما يثبته كل دليل وما لا يثبته.
الاحتفاظ بالمحادثة كاملة وعدم الاكتفاء بلقطات شاشة منتقاة منها.
حفظ المرفقات والرسائل الصوتية والتواريخ والبيانات الإلكترونية المتاحة ذات الصلة.
التحقق من رقم الهاتف أو الحساب وهوية الشخص المنسوبة إليه المراسلات.
مراجعة صفة الموظف وحدود صلاحياته عندما تتضمن الرسالة موافقة أو تعليمات أو إقرارًا.
قراءة الرسالة ضمن سياق المحادثة الكامل وما سبقها وما تلاها.
عند المنازعة في الأصالة أو الاكتمال، التحقق من مدى مطابقة مستخرج الدليل الإلكتروني لسجله الإلكتروني.
مطابقة المراسلات مع العقد والفواتير وأوامر الشراء والتحويلات وكشوف الحساب وسندات التسليم.
تجنب حذف البيانات ذات الصلة أو تغييرها عند توقع نشوء نزاع.
توثيق الاتفاقات والتعديلات التجارية الجوهرية بصورة رسمية كلما اقتضت طبيعتها ذلك.
تقييم مراسلات التسوية بحذر والتمييز بين الإقرار المستقل بواقعة معينة وبين العرض التجاري لإنهاء النزاع.
اللجوء إلى الفحص الفني عند وجود منازعة جدية في أصالة الدليل أو سلامته أو نسبته أو مصدره الإلكتروني.
تقييم نقاط القوة والضعف في الدليل الإلكتروني قبل تقديمه إلى المحكمة أو الخبير.
سؤال إلى مجلس الإدارة
إذا ظهرت اليوم رسالة WhatsApp صادرة عن أحد موظفي الشركة تؤكد مبلغًا مستحقًا أو تعتمد تعديلًا أو أعمالًا إضافية، فهل تستطيع الشركة إثبات من أرسلها، وحدود صلاحياته، والسياق الكامل للمحادثة، ومدى مطابقة الدليل المقدم لسجله الإلكتروني وتوافقه مع العقد والسجلات التجارية؟