الخطأ الطبي أم المضاعفة الطبية؟ كيف تُبنى دعاوى المسؤولية الطبية في الإمارات؟
لا تُحسم منازعة المسؤولية الطبية بالنتيجة النهائية للعلاج وحدها؛ فالمسألة الحاسمة غالبًا هي مدى توافق القرار الطبي، وقت اتخاذه، مع الأصول والمعايير المهنية المعترف بها، وما إذا كان الخطأ الطبي الثابت هو الذي تسبب فعلًا في الضرر محل المطالبة.
قد يخضع المريض لإجراء طبي أو جراحي ثم تظهر نتيجة لم تكن متوقعة؛ فتتفاقم حالته، أو يحتاج إلى تدخل إضافي، أو تستمر آثار ما حدث لفترة طويلة وربما تخلّف عجزًا دائمًا. ومن الطبيعي عندها أن يرتبط الضرر في ذهن المريض بالعلاج الذي تلقاه.
لكن من الناحية القانونية والفنية، فإن حدوث الضرر لا يعني بذاته ثبوت الخطأ الطبي.
فقد تكون النتيجة من المضاعفات المعروفة التي يمكن أن تحدث رغم الالتزام بالأصول المهنية واتخاذ العناية اللازمة، وقد تكون نتيجة لخطأ في التشخيص أو العلاج أو تنفيذ الإجراء الطبي أو المتابعة.
ومن ثم، فإن جوهر دعوى المسؤولية الطبية لا يتمثل في النتيجة وحدها، وإنما في تحديد مدى التزام الممارس الصحي بالمعيار المهني الواجب، وما إذا كان هناك انحراف عنه، ثم إثبات ما إذا كان هذا الانحراف قد تسبب في الضرر محل المطالبة.
ويؤكد قانون المسؤولية الطبية الإماراتي هذه التفرقة، إذ لا تقوم المسؤولية لمجرد حدوث الآثار أو المضاعفات الطبية المعروفة أو غير المتوقعة متى لم تكن ناتجة عن خطأ طبي.
قراءة في أثره على الأعمال
بالنسبة للمستشفيات والعيادات والمراكز الطبية وغيرها من المنشآت الصحية، لا تمثل الشكوى الطبية مسألة علاجية فحسب؛ فقد تتطور إلى نزاع تنظيمي ومهني وتأميني ومطالبة بالتعويض.
ولهذا تكتسب طريقة توثيق الواقعة وإدارتها منذ البداية أهمية كبيرة. فقد تخضع لاحقًا للفحص المتكامل السجلات الطبية ونتائج الفحوص وملاحظات التمريض وتقارير العمليات ونماذج الموافقة وقرارات الإحالة وسجلات المتابعة، بهدف إعادة بناء ما حدث وتوقيته بدقة.
ولا يكفي عند مواجهة مطالبة بالمسؤولية الطبية الاكتفاء بنفي الخطأ، بل ينبغي إعادة بناء القرار الطبي في ضوء المعلومات التي كانت متاحة للممارس وقت اتخاذه، والأساس الطبي الذي استند إليه، وكيفية توثيق الاستجابة لتطورات الحالة.
ومن منظور المنشآت الصحية، فإن سلامة السجل الطبي وإدارة الواقعة والمراجعة القانونية المبكرة لا ترتبط فقط بالحوكمة الطبية، وإنما كذلك بإدارة مخاطر دعاوى الأخطاء الطبية والمسؤولية المهنية والتغطية التأمينية.
“لا تُبنى قضية الخطأ الطبي على جسامة النتيجة وحدها، وإنما على ما كان يتعين القيام به طبيًا، وما تم فعله بالفعل، وما إذا كان الفارق بينهما قد تسبب في الضرر محل المطالبة.”
الرؤية القانونية
يبدأ التقييم القانوني في كثير من دعاوى المسؤولية الطبية بإعادة بناء الواقعة الطبية ضمن تسلسل زمني دقيق.
ففي بعض الملفات، قد تكون الواقعة الحاسمة سابقة لظهور الضرر النهائي بساعات أو حتى أيام. وقد يراجع المريض المنشأة الصحية بأعراض معينة، وتُجرى له فحوص تظهر نتائج تستوجب تقييمًا إضافيًا أو تدخلًا أو إحالة إلى اختصاصي، ثم تتدهور حالته لاحقًا أو تظهر مضاعفات تستدعي تدخلًا عاجلًا.
ولهذا، فإن تقييم المسؤولية يستلزم بناء تسلسل زمني طبي دقيق يبدأ من ظهور الأعراض والمراجعة أو الدخول إلى المنشأة، ويمتد إلى الفحوص ونتائجها والقرارات العلاجية والأدوية والإحالات والإجراءات والمتابعة، وصولًا إلى ظهور المضاعفات وكيفية التعامل معها.
وتظهر أهمية التوقيت بصورة خاصة عندما يتعلق الادعاء بتأخر التشخيص، أو عدم طلب فحص مناسب، أو التأخر في العلاج أو الإحالة إلى اختصاصي، أو عدم الاستجابة لمؤشرات سريرية كانت تستوجب تدخلًا مختلفًا.
وفي المقابل، قد يثبت التسلسل الزمني أن القرار الطبي اتُّخذ في الوقت المناسب وفق المعلومات المتاحة آنذاك، وأن النتيجة كانت من المضاعفات المحتملة رغم سلامة العلاج.
ومن ثم، ينبغي تقييم القرار الطبي في ضوء المعلومات المتاحة وقت اتخاذه، لا من خلال النتيجة التي أصبحت معروفة لاحقًا.
وعند نشوء النزاع، لا يعود الملف الطبي مجرد سجل للعلاج، بل يصبح أحد أهم مصادر الإثبات الفني. فالملاحظات الطبية، ونتائج المختبر، وتقارير الأشعة، والوصفات الدوائية، وسجلات التمريض، وتقارير العمليات والتخدير، ونماذج الموافقة، والإحالات وسجلات المتابعة قد تشكل مجتمعة الرواية الطبية والزمنية للواقعة.
وقد تكتسب تفاصيل تبدو اعتيادية أهمية مباشرة في تقييم المسؤولية. فإذا تمسكت المنشأة بإبلاغ المريض بخطر معين، أصبحت كيفية توثيق ذلك ذات صلة. وإذا كان الدفاع قائمًا على اكتشاف المضاعفة والتعامل معها فور ظهورها، فقد يصبح توقيت العلامات الحيوية والملاحظات والإجراءات اللاحقة عنصرًا محوريًا.
وكذلك، عند التمسك بعدم التزام المريض بالتعليمات، تصبح طبيعة تلك التعليمات وتوقيت إعطائها وكيفية توثيقها جزءًا من التحليل الفني والقانوني.
ويُعد نموذج الموافقة المستنيرة من المستندات المهمة في كثير من النزاعات الطبية، إلا أن توقيع المريض عليه لا يؤدي بذاته إلى انتفاء المسؤولية عن كل نتيجة لاحقة. فالموافقة على إجراء طبي وما يرتبط به من مخاطر ومضاعفات محتملة تختلف عن وقوع خطأ في التشخيص أو العلاج أو تنفيذ الإجراء أو المتابعة.
ولهذا يجب تقييم الموافقة ضمن سياقها الطبي الكامل، إلى جانب طبيعة الإجراء والمعلومات المقدمة للمريض والمخاطر المرتبطة به والسجل الطبي وكيفية تنفيذ الإجراء والرعاية اللاحقة.
وتمثل لجنة المسؤولية الطبية مرحلة محورية في دعاوى الأخطاء الطبية في الإمارات.
فوفقًا للمادة (18) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (4) لسنة 2016 بشأن المسؤولية الطبية، تختص لجان المسؤولية الطبية بتحديد وقوع الخطأ الطبي من عدمه ومدى جسامته، كما تحدد عند تعدد المسؤولين نسبة مساهمة كل منهم، وتبحث الأضرار الناتجة والعلاقة بين الخطأ والضرر ونسبة العجز في العضو المتضرر، إن وجدت.
كما قرر المشرع عدم قبول دعاوى التعويض الناشئة عن المسؤولية الطبية إلا بعد إحالتها إلى لجان المسؤولية الطبية وفقًا لأحكام القانون.
ومن ثم، لا ينبغي التعامل مع الشكوى باعتبارها مجرد إجراء إداري يسبق المحكمة؛ فهي مرحلة فنية مؤثرة قد يتشكل خلالها الأساس الطبي للنزاع.
فالشكوى المبنية بصورة دقيقة تحدد الفعل أو الامتناع الطبي محل الاعتراض، وتوقيته، والقرار أو الإجراء المرتبط به، والمستندات المؤيدة، والضرر المنسوب إليه.
وفي دعاوى التأخر في التشخيص، قد ينصب التحليل على المرحلة التي كان يمكن عندها اكتشاف الحالة في ضوء المعلومات والفحوص المتاحة، ومدى تأثير التأخير في تطور الضرر. وفي القضايا الجراحية، قد يمتد النزاع من حدوث المضاعفة إلى كيفية إجراء التدخل وتوقيت اكتشاف المضاعفة وطريقة التعامل معها.
ولا ينبغي كذلك التعامل مع تقرير لجنة المسؤولية الطبية من خلال نتيجته النهائية فقط، بل يتعين تحليل الوقائع التي اعتمد عليها، والتسلسل الزمني الذي تبناه، والمستندات التي تناولها، ومدى معالجته لأوجه الشكوى، وما انتهى إليه بشأن الخطأ والضرر والعلاقة السببية.
ويجيز الإطار القانوني التظلم من تقرير لجنة المسؤولية الطبية ضمن الميعاد والإجراءات المقررة. وفي دبي، يبين المسار المنشور للشكاوى الطبية وجود مدة ثلاثين يومًا من استلام نتيجة لجنة المسؤولية الطبية لتقديم التظلم وفق الإجراءات المقررة.
ولا ينبغي أن يكون التظلم مجرد إعادة للشكوى الأصلية بصياغة أخرى؛ بل ينبغي أن يتجه إلى التقرير ذاته، من خلال تحديد أي مستند طبي جوهري تم إغفاله، أو خلل في التسلسل الزمني، أو وجه من أوجه الشكوى لم تتم معالجته، أو مسألة تتعلق بالعلاقة السببية تحتاج إلى إعادة تقييم فني.
ومن أدق جوانب دعاوى المسؤولية الطبية ضرورة الفصل بين ثبوت الخطأ وثبوت الضرر وثبوت العلاقة السببية بينهما.
فحتى إذا ثبت الخطأ الطبي، لا يعني ذلك بالضرورة أن جميع النتائج التي يعاني منها المريض قد نشأت عنه. فقد تكون لديه حالة سابقة، أو يكون جزء من الضرر نتيجة للتطور الطبيعي للمرض، أو تكون هناك مضاعفة كان من الممكن حدوثها حتى في غياب الخطأ، أو يثبت خطأ في مرحلة معينة بينما يبقى نطاق الضرر الذي تسبب فيه محل تقييم مستقل.
ولهذا يصبح تحديد الضرر الذي أحدثه الخطأ تحديدًا مسألة محورية عند الانتقال من إثبات المسؤولية إلى تقدير التعويض.
كما لا تتعلق جميع دعاوى المسؤولية الطبية بتصرف طبيب واحد. فقد تتداخل أدوار الطبيب المعالج والجراح وطبيب التخدير وفريق التمريض والمنشأة الصحية وغيرهم من مقدمي الرعاية في مراحل مختلفة من التشخيص والعلاج والمتابعة.
ومن ثم، يقتضي تحليل المسؤولية التمييز بين أدوار الأطراف وتحديد مدى مساهمة كل منهم في الخطأ عند تعدد المسؤولين.
وقد تتجاوز المسألة كذلك مسؤولية الممارس أو المنشأة الصحية لتشمل التغطية التأمينية للمسؤولية المهنية، فتظهر مسائل تتعلق بنطاق وثيقة التأمين، والأشخاص المشمولين بها، وحدود التغطية، ومتطلبات الإخطار، وطبيعة الواقعة، والشروط والاستثناءات ذات الصلة.
وبذلك قد يبدأ الملف باعتباره شكوى طبية، ثم يتطور إلى نزاع تتداخل فيه المسؤولية الطبية والتعويض والتغطية التأمينية.
اعتبارات عملية
عند وصول نزاع المسؤولية الطبية إلى مرحلة التقاضي، يكون جزء كبير من بنيته الفنية قد تشكل بالفعل؛ فالسجل الطبي موجود، والوقائع حدثت، والتسلسل الزمني أصبح ثابتًا، وقد تكون الشكوى قد خضعت بالفعل للتقييم الفني.
ولهذا تكتسب الإدارة المبكرة للملف أهمية كبيرة للمريض والممارس والمنشأة الصحية وشركة التأمين على حد سواء. ولا يقتصر الهدف على جمع المستندات، وإنما يمتد إلى ربط كل ادعاء أو دفاع بالسجل الطبي والمعيار المهني والضرر محل المطالبة.
الحصول على الملف الطبي كاملًا والمحافظة عليه
إعداد تسلسل زمني طبي دقيق
تحديد الفعل أو الامتناع الذي يُنسب إليه الخطأ الطبي
الفصل بين الخطأ المدعى به والضرر الناتج عنه
تقييم العلاقة السببية بصورة مستقلة
مراجعة الموافقة المستنيرة ضمن سياقها الطبي الكامل
مراجعة نتائج الفحوص والأشعة وتقارير العمليات والأدوية وسجلات التمريض
تحديد جميع الممارسين والمنشآت الذين شاركوا في المراحل ذات الصلة من الرعاية
تحليل تقرير لجنة المسؤولية الطبية وأسبابه وعدم الاكتفاء بالنتيجة النهائية
مراعاة ميعاد التظلم والإجراءات المقررة قانونًا
مراجعة وثيقة تأمين المسؤولية المهنية ومتطلبات الإخطار في مرحلة مبكرة
ربط كل ادعاء أو دفاع بالمستند الطبي والدليل الفني المتعلق به
سؤال إلى مجلس الإدارة
إذا وُجهت إلى منشأتكم الصحية غدًا شكوى طبية جسيمة، فهل يستطيع الملف الطبي أن يثبت ليس فقط ما تم اتخاذه من إجراءات، وإنما أيضًا الأساس الطبي الذي برر اتخاذها في ذلك التوقيت؟