منازعات البيع على الخارطة في دبي: عندما يضع التأخير والإخلال والفسخ الاستثمار العقاري على المحك
في منازعات البيع على الخارطة، لا يمثل ثبوت الإخلال سوى نقطة البداية؛ فالمسألة الحاسمة هي تحديد الوسيلة التي تتيحها اتفاقية البيع والشراء والتشريعات العقارية في دبي فعلًا بعد وقوع هذا الإخلال.
يمثل سوق العقارات المباعة على الخارطة في دبي مجالًا لاستثمارات مالية كبيرة من الأفراد والشركات والكيانات الاستثمارية والمطورين. وعندما يتأخر المشروع، أو ينشأ خلاف حول مراحل الإنجاز، أو تتوقف الدفعات، أو يسعى أحد الأطراف إلى فسخ اتفاقية البيع والشراء، قد تتحول الصفقة الاستثمارية إلى منازعة عقارية ذات آثار مالية وقانونية كبيرة.
ولا يكفي مجرد ثبوت وجود إخلال تعاقدي للإجابة عن السؤال القانوني الأهم: ما الوسائل القانونية المتاحة للطرف المتضرر؟
فقد تتوقف الإجابة على شروط اتفاقية البيع والشراء، وطبيعة الإخلال وتوقيته، وحالة المشروع ونسبة إنجازه، والمبالغ التي تم سدادها، ومتطلبات التسجيل، والإجراءات التي تفرضها التشريعات العقارية المعمول بها في دبي.
ولهذا، لا ينبغي تقييم منازعة البيع على الخارطة من خلال دفعة متأخرة أو تاريخ إنجاز تعاقدي أو إخطار بالفسخ بصورة منفردة، وإنما قد يستلزم الأمر مراجعة المسار التعاقدي والتنظيمي الكامل للصفقة.
قراءة في أثره على الأعمال
بالنسبة للشركات والمستثمرين المؤسسيين، لا يمثل شراء العقار على الخارطة مجرد صفقة عقارية؛ فقد يكون العقار أصلًا استثماريًا مهمًا، أو مقرًا مستقبليًا للنشاط، أو جزءًا من محفظة استثمارية أو استراتيجية تطوير أو توسع أوسع.
ومن ثم، قد تتجاوز آثار النزاع قيمة العقار ذاته، لتمتد إلى ترتيبات التمويل والجداول الاستثمارية والتدفقات النقدية وخطط إعادة البيع والغرض التجاري الذي تم شراء العقار من أجله.
وتزداد أهمية المراجعة القانونية المبكرة عندما تكون مبالغ كبيرة قد سُددت بالفعل، أو عندما يختلف الطرفان حول نسبة الإنجاز أو تاريخ الإنجاز التعاقدي أو الدفعات المستحقة أو الحق في الفسخ أو استرداد المبالغ المدفوعة أو حق المطور في الاحتفاظ أو الخصم من تلك المبالغ وفقًا للإطار القانوني واجب التطبيق.
وفي منازعات البيع على الخارطة، لا يقتصر التحليل على تحديد الطرف الذي أخل أولًا، بل يمتد إلى تحديد ما تسمح به اتفاقية البيع والشراء والإطار التنظيمي العقاري في دبي لكل طرف أن يفعله قانونًا بعد وقوع الإخلال.
“في منازعات البيع على الخارطة، لا يمثل الإخلال سوى نقطة البداية؛ فالمسألة الحاسمة هي تحديد الوسيلة التي يجيزها العقد والقانون فعلًا.”
الرؤية القانونية
تخضع معاملات البيع العقاري على الخارطة في دبي لإطار تنظيمي خاص يجب النظر إليه إلى جانب أحكام اتفاقية البيع والشراء المبرمة بين الأطراف.
وينظم القانون رقم (13) لسنة 2008 بشأن تنظيم السجل العقاري المبدئي في إمارة دبي، وتعديلاته، جوانب مهمة من معاملات البيع على الخارطة. وتكتسب المادة (11)، بصيغتها المستبدلة بموجب القانون رقم (19) لسنة 2020، أهمية خاصة؛ إذ تقرر قواعد وإجراءات محددة في حالة إخلال المشتري بالتزاماته التعاقدية بموجب عقد بيع عقار على الخارطة مبرم مع المطور.
وبموجب الإطار الحالي للمادة (11)، يتعين على المطور ابتداءً إخطار دائرة الأراضي والأملاك في دبي بإخلال المشتري وفق الآلية المقررة، ثم تقوم الدائرة بالتحقق من الإخلال واتخاذ إجراءات الإخطار المنصوص عليها قانونًا. وتتفاوت الآثار والخيارات القانونية اللاحقة بحسب الحالات التي حددتها المادة، ومن بينها نسبة إنجاز المشروع.
ولهذا لا ينبغي النظر إلى أي بند تعاقدي يمنح المطور حقوقًا عند إخلال المشتري بمعزل عن الإجراءات والآثار التي تقررها التشريعات العقارية واجبة التطبيق.
وقد تصبح نسبة الإنجاز مسألة قانونية وإثباتية محورية في النزاع، إذ يميز التنظيم القانوني الحالي بين المشروعات بحسب المرحلة التي بلغها الإنجاز، ويرتب نتائج مختلفة فيما يتعلق بالفسخ والمبالغ التي يجوز الاحتفاظ بها أو استردادها، وذلك وفق الحالات والشروط والإجراءات المقررة قانونًا.
كما تتيح دائرة الأراضي والأملاك التحقق من نسبة تقدم المشروع وفق أحدث تدقيق فني معتمد، وهو ما يجعل الحالة المسجلة رسميًا للمشروع عنصرًا يمكن أن تكون له أهمية مباشرة في النزاع حول نسبة الإنجاز.
ويختلف التحليل عندما يكون الإخلال المدعى به منسوبًا إلى المطور، بما في ذلك المنازعات المتعلقة بالتأخير أو عدم الإنجاز أو الالتزامات المتعلقة بالتسليم أو غيرها من الالتزامات الواردة في اتفاقية البيع والشراء.
فلا ينبغي افتراض قيام حق المشتري في الفسخ أو استرداد المبالغ لمجرد وجود تأخير، وإنما يتطلب الأمر تقييم شروط العقد والتشريعات واجبة التطبيق وحالة المشروع وأي مدد تمديد أو سماح تعاقدية وظروف الحالة المحددة.
وتوضح دائرة الأراضي والأملاك، في إرشاداتها المنشورة، أنه في بعض الحالات التي لم يبدأ فيها المشروع ويكون قيد الإلغاء، لا تختص الدائرة بفسخ العقد بين المطور والمستثمر بناءً على طلب المستثمر، وإنما يكون على المستثمر الراغب في الفسخ اللجوء إلى المحكمة العقارية المختصة، بينما يقتصر دور الدائرة في ذلك السياق على محاولة التوفيق والتسوية الودية دون الفصل في طلب الفسخ ذاته.
وهذه التفرقة مهمة؛ لأن إخلال المطور وإخلال المشتري لا يخضعان بالضرورة لمسارين قانونيين متماثلين، بل يجب تحديد الطريق التعاقدي والتنظيمي المنطبق على كل منهما.
ويضاف إلى ذلك جانب مهم يتعلق بأموال المشترين وحساب ضمان المشروع.
فالقانون رقم (8) لسنة 2007 بشأن حسابات ضمان التطوير العقاري في إمارة دبي يسري على المطورين الذين يبيعون وحدات على الخارطة ويتلقون دفعات من المشترين أو ممولي المشروع. ويُفتح حساب الضمان باسم المشروع، ويخصص حصريًا لإنشاء مشروع التطوير العقاري المعني.
وتوضح الخدمات الحالية لدائرة الأراضي والأملاك أن تسجيل المشروع وفتح حساب الضمان يشكلان جزءًا من المنظومة التنظيمية للمشروعات العقارية التي يتم بيع وحداتها على الخارطة.
وتبرز أهمية حساب الضمان بصورة خاصة عند النظر في كيفية التعامل مع أموال المشترين وحالة المشروع غير المكتمل. إذ تنص المادة (15) من القانون رقم (8) لسنة 2007 على أنه في الحالات الطارئة التي لا يكتمل فيها مشروع التطوير العقاري، يتعين على أمين الحساب، بعد التشاور مع الدائرة، اتخاذ التدابير اللازمة للمحافظة على حقوق المودعين وضمان استكمال المشروع أو رد المبالغ المدفوعة إليهم.
ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين وجود نظام حساب الضمان وبين قيام حق تعاقدي فردي تلقائي للمشتري في استرداد أمواله فورًا كلما ادعى وجود تأخير أو إخلال؛ إذ يتعين في كل حالة تحديد المركز التعاقدي وحالة المشروع والآلية القانونية المنطبقة.
ولهذا فإن التحليل القانوني لمنازعة البيع على الخارطة لا ينبغي أن يتوقف عند تفسير بند واحد في العقد.
فاتفاقية البيع والشراء، وسجل الدفعات، وبيانات التسجيل، وحالة المشروع، ونسبة الإنجاز المعتمدة، وترتيبات حساب الضمان، والإخطارات والمراسلات، ومدى الالتزام بالإجراءات القانونية، قد تكون جميعها عناصر مؤثرة في تحديد الوسائل القانونية المتاحة للأطراف.
وقبل إقامة دعوى عقارية متعلقة بالبيع على الخارطة أو الدفاع فيها، ينبغي إعادة بناء الصفقة في صورة تسلسل تعاقدي وتنظيمي ومالي متكامل.
وهذا يسمح بالتمييز بين مجرد الادعاء بوجود إخلال وبين الإخلال الذي يمكن أن يؤسس بالفعل لوسيلة قانونية محددة بموجب اتفاقية البيع والشراء والتشريعات واجبة التطبيق.
اعتبارات عملية
تتطلب المراجعة الفعالة لمنازعة البيع على الخارطة إعادة بناء الصفقة منذ تاريخ التعاقد، مرورًا بالدفعات ومراحل الإنجاز والإخطارات، وصولًا إلى الواقعة التي أدت إلى نشوء النزاع.
ولا يقتصر الهدف على إثبات حدوث مشكلة، وإنما يتمثل في تحديد الالتزام التعاقدي محل الإخلال، والدليل المثبت له، والإجراء التنظيمي واجب التطبيق، والوسيلة القانونية التي يمكن أن تترتب عليه.
مراجعة اتفاقية البيع والشراء وكافة ملاحقها وتعديلاتها
التحقق من تسجيل التصرف العقاري على الخارطة والمشروع ذي الصلة
مراجعة جدول السداد وجميع المبالغ التي تم دفعها فعليًا
التحقق من الحالة الراهنة للمشروع ونسبة الإنجاز المسجلة والمعتمدة
مراجعة ترتيبات حساب ضمان المشروع عند الاقتضاء
تحديد تاريخ الإنجاز التعاقدي وأي مدد تمديد أو سماح مقررة في العقد
مراجعة كافة إخطارات الإخلال والسداد والفسخ
فحص المراسلات المتبادلة بين المشتري والمطور والأطراف ذات الصلة
التحقق من اتباع الإجراءات واجبة التطبيق أمام دائرة الأراضي والأملاك في دبي
تحديد الأساس القانوني للفسخ أو الاحتفاظ بالمبالغ أو الخصم منها أو استرداد المبالغ المدفوعة
المحافظة على سجلات السداد والعقود والأدلة المتعلقة بالبيانات أو التعهدات المقدمة قبل البيع وبعده
ربط كل إخلال مدعى به بالوسيلة القانونية المتاحة فعلًا بموجب العقد والقانون واجب التطبيق
سؤال إلى مجلس الإدارة
إذا دخل استثمار شركتكم العقاري على الخارطة في نزاع غدًا، فهل تستطيعون أن تثبتوا، من خلال اتفاقية البيع والشراء وسجلات السداد وحالة المشروع والإخطارات، ليس فقط أي الطرفين أخل بالتزاماته، وإنما أيضًا ما هي الوسيلة التي يجيزها القانون فعلًا؟